أحمد بن الحسين البيهقي
132
كتاب القضاء والقدر
لما يصيرون إليه في الحال الآجلة ، فمن تيسر له العمل الصالح كان مأمولا له الفوز ، ومن تيسر منه العمل الخبيث ، كان مخوفا عليه الهلاك ، وهذه أمارات من جهة العلم الظاهر ، وليست بموجبات فإنّ اللّه - عزّ وجلّ - طوى علم الغيب عن خلقه ، وحجبهم عن دركه ، كما أخفى أمر الساعة فلا يعلم أحد متى أيان قيامها ، ثم أخبر على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم ببعض أماراتها وأشراطها » « 1 » . وقال أبو سليمان في موضع آخر : « ويشبه أن يكونوا واللّه أعلم إنّما عوملوا بهذه المعاملة وتعبدوا بهذا النوع من التعبد ليتعلق خوفهم بالباطن المغيب عنهم ، ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم ، والخوف والرجاء مدرجتا العبودية ، فيستكملوا بذلك صفة / الإيمان وبيّن لهم أنّ كلا ميسر لما خلق له وأنّ عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل وبذلك تمثل بقوله - جلّ وعزّ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى « 2 » الآية وهذه الأمور إنما هي في حكم الظاهر من أحوال العباد ، ومن وراء ذلك علم اللّه - عزّ وجل - فيهم وهو الحكيم الخبير لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 3 »
--> - بالسبب وقع المقدور ، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور ، وهذا كما قدّر الشّبع والريّ بالأكل والشرب ، وقدّر الولد بالوطء ، وقدّر حصول الزرع بالبذر ، وقدّر خروج نفس الحيوان بذبحه ، وكذلك بالبذر ، وقدّر خروج نفس الحيوان بذبحه ، وكذلك قدّر دخول الجنّة بالأعمال ، ودخول النّار بالأعمال » . والقرآن والسنّة مملوءان بأنّه يخلق الأشياء بالأسباب كما قال تعالى : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وقوله : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وقوله : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ قال العلامة ابن قيم الجوزية : « وأمثال هذا في القرآن يزيد على ألف موضع . . . والقرآن من أوّله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر أو الأحكام الكونية والأمريّة على الأسباب ، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال » [ الجواب الكافي / ص 17 ] وانظر مبحث عقيدة المصنّف المتقدم ففيه مزيد بيان . ( 1 ) « معالم السنن » ( 4 / 293 ) . ( 2 ) سورة الليل ، رقم الآية ( 5 ) . ( 3 ) سورة الأنبياء ، رقم الآية ( 23 ) .